سورة الليل
قال
تعالى في سورة الليل : (فأما من أعطى واتقى * وصدق
بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) إن قيل: كيف قابل
(اتقى) بـ (استغنى)؟ وهل يمكن العبد أن يستغني عن ربه طرفة عين ؟ قيل : هذا من أحسن المقابلة فإن المتقي
لما استشعر فقره وفاقته وشدة حاجته إلى ربه اتقاه، ولم يتعرض لسخطه وغضبه ومقته
بارتكاب ما نهاه عنه. فإن من كان فقيراً شديد الحاجة والضرورة إلى شخص فإنه يتقي
غضبه وسخطه عليه غاية الاتقاء ويجانب ما يكرهه غاية المجانبة ويعتمد فعل ما يحبه ويؤثره. فقابل
التقوى بالاستغناء تشنيعاً لحال تارك التقوى، ومبالغة في ذمه بأن فعَلَ فِعلَ
المستغني عن ربه لا فعل الفقير المضطر إليه الذي لا ملجأ له منه إلا إليه، ولاغنى
له عن فضله وجوده وبره طرفة عين. فلله ما أحلى هذه المقابلة وما أجمع هاتين الآيتين
للخيرات كلها وأسبابها وللشرور كلها وأسبابها .
ابن القيم - التبيان في
أيمان القرآن
تعليقات
إرسال تعليق