الريح والرياح
ذكر
الله الرياح في القرآن جمعاً ومفردة، فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث
وقعت في سياق العذاب أتت مفردة. وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب
والمنافع وإذا هاجت منها ريح أُنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها
فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات. وأما في العذاب فإنها تأتي من
وجه واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أُمرت. ثم تأمل كيف
اطرد هذا إلا في قوله تعالى: (هو الذي يسيركم في
البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين
بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف) – سورة يونس 22- فذكر
ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد؛ لأن تمام الرحمة
هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها. فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه
واحد تسيرها فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك فالمطلوب
هناك ريح واحدة لا رياح. وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعاً لتوهم أن يكون
ريحاً عاصفة بل هي مما يفرح بها لطيبها . فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض
المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحاً ويغتذي بها عن الطعام والشراب فالحمد
لله الفتاح العليم . فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه، وهذه المعاني
ونحوها إذا تجلت للقلوب رافلة في حللها، فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها.
ابن القيم - بدائع الفوائد
تعليقات
إرسال تعليق